الأحد، 25 سبتمبر 2016

الضحايا

"أنعي بكل الأسى من ماتوا ظلما على متن المركب الغارق في رشيد"
اخترت هذه الجملة بعناية ، فلست أنعاهم جميعا بل المظلومين منهم فقط. فهل مات فيها من ليس مظلوما؟
للأسف نعم. فالمصريون هذه الايام وصلوا مرحلة من الانحدار الإنساني أظنها غير مسبوقة نوعا و كما ، فلك أن ترى ردود الأفعال المنقسمة حيال هذا الحادث المفجع لتعلم حجم المشكلة ، فالطبيعي عند حادث كهذا ألا ترى إلا  رأيا واحدا و هو أن أرواح البشر غالية لا تقدر بثمن أيا كان الدافع لهجرتهم ، أما أن ترى جدلا في بلد ما بشأن قيمة حياة أبنائها فهذه النكسة ذاتها!
و لكن مهلا ، ألا تظن معي أن كان على متن هذا المركب من هتف للنظام و رقص أمام اللجان و سبح بحمد القائد الملهم ، أليس منهم من يرى أن الصحافة جريمة عقوبتها الموت و أن المعارضة خيانة و الثورة فوضى و التفكير عبثا ، و أن القابعين في السجون هم كلاب النار؟
لازلت أؤمن أن حياة البشر أيا كانت أفكارهم هي حرم مقدس لا يجوز انتهاكه ، و لكني أرى هذا الحادث و أشباهه بنظرة مختلفة ، أراه واحدا من آيات الله في الانتقام من هذه الأمة الظالمة التي ظلمت نفسها. اقرأ معي كلام الله :
" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ".
فالخزي إذا في الدنيا و الذل و المسكنة و المهانة هي العقوبة التي ستطالنا في هذا البلد المشئوم ، و يوم القيامة أشد خزيا و ندامة.
و لكن أليس هؤلاء أيضا من يرون أن "مصر أم الدنيا" و أنها "فوق الجميع" . هم من يحفظون تماما " ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " و ينسون تماما " فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ". هم من يؤمنون بالمؤامرة الكونية على جنة الله في أرضه و أن زعيمها المفدى طبيب الفلاسفة يحارب طواحين الهواء وحده ، و أنه ولي نعمهم و سبب رزقهم. لماذا إذا يتركون هذا النعيم المقيم و يرمون أنفسهم في عباب مغامرة عواقبها وخيمة؟
هي إذا حالة من النفاق العجيب حين تكذب على الدنيا جميعا حتى على نفسك ، نفاق ينافس ابن هانئ نفسه . و لكن ليس المغامرون فقط هم المنافقون ، و لكن و للعجب يشاركهم فيه الشامتون فيهم و الغير مكترثين بالأرواح المزهقة. أكاد أجزم أن كل هؤلاء يتمنون أن لو يغادروا هذا البلد بلا عودة ، هذا البلد الذين يؤمنون تماما بأنه خرابة إلا أوطنان يؤمنون أنها حقا جديرة أن تموت من أجلها. هي حالة من النفاق العجيب و التشوه في الفطرة.
و لكن هل يتحمل الشعب كله وزر ما وصلنا له؟ هل يتحملون وحدهم مسئولية جهلهم و مرض قلوبهم؟
بالطبع لا ، و لكن الحكام فاعل رئيس أيضا.
دعنا نسمع للناصريين الذين ينسبون لعبد الناصر منة تعليم المصريين. بالطبع هذا ادعاء كاذب إذ كان التعليم مجانيا أيام فاروق حتى التوجيهية ، و التعليم الجامعي مجانيا بشرط الحصول على تقدير جيد ، و أيضا بدليل تعلم عبد الناصر نفسه و والده من قبله.
و لكن هنا فكرة أخرى ، فلنقارن بين تعليم فاروق و تعليم عبد الناصر ، فمن كانوا يعملون أيام عبد الناصر هم من علمهم فاروق ، و من علمهم عبد الناصر هم من عملوا مع السادات و من يعملون اليوم هم من علمهم مبارك. إذن النتيجة واضحة فتعليم ما بعد يوليو أسوأ بكثير من ما قبله ، ذاك التعليم الذي حول الشعب تدريجيا من آدميين إلى مجرد مخلوقات مشوهة ، نراها كل يوم تنعق بالجهل و العنصرية و التطرف و الحيوانية.
المشكلة أنك لن تستطيع أن تقف أمام الله يوم الحساب فتدعي أن مبارك هو من عبث بدوائر عقلك و أوعية قلبك فاستحللت الدماء و الظلم ، لأن الله أوضح في كتابه الحكيم و هو أعلم بنا أن هذه ادعاءات كاذبة ، اقرأ معي في سورة الأعراف : " قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ " ، و مثلها في سور سبأ و غافر.
قد تفهم من كلامي أني أحمل هؤلاء المنكوبين وحدهم مسئولية مآلهم ، و لكني لم أتكلم عن مسئولية الحكومة لأنها محسومة لا تقبل النقاش ، فالناس على دين ملوكهم ، و كلكم راع و مسئول عن رعيته.

نهاية هذا رأيي و لازال بيني و بين المصريين حاجزا صنعوه بدماء الأبرياء لن يزيله إلا القصاص أو انتقام الله.

اللهم اقبضنا إليك غير ظالمين أو مفتونين

الاثنين، 19 أغسطس 2013

"البرهامية"

بعد ظهور "المدخلية" و "الجامية" كآخر الفرق الإسلامية في العصر الحديث ، يجب على المتخصصين في التنظير و التأريخ للحركات و الفرق الإسلامية أن يضيفوا "البرهامية" أو "حزب النور" أو "النوريين" كأحد التيارات السلفية الشاذة.
و "البرهامية" هي إحدى التيارات الأصولية التي ادعت أنها تتبع المنهج السلفي ، و التي نشأت من رحم "الدعوة السلفية" بالإسكندرية ، و لكنها اتخذت الشكل التنظيمي بعد ثورة "25 يناير" بتأسيس "حزب النور" كذراع سياسية للدعوة السلفية ، كواحد من أوائل الأحزاب الإسلامية بعد "الحرية و العدالة" الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين".
و يبدو أن "البرهاميين" لم تكن لهم سياسة واضحة أو منهجا منضبطا ، إلا أن أكثر سياساتهم وضوحا هي سياسة "مخالفة الإخوان المسلمين" ، و هذا كان واضحا حتى قبل قيام الثورة ، فقد كانوا يتهمون "الإخوان" بالتفريط في الدين لتساهلهم في أمور السمت الإسلامي مثل "اللحية" و "التقصير" ، و حكم المعازف ، و تبدعيهم في أمور الذكر الجماعي و العقيدة ، و مسألة "الديمقراطية" و المشاركة في الانتخابات ، ثم أثناء الثورة حين حرموا الخروج على الحاكم المسلم "مطلقا" ، و بعد الثورة حين أسسوا حزبا منفردا ليخوضوا الانتخابات بعيدا عن الإخوان ، ثم دعم "أبو الفتوح" في الرئاسة و أخيرا حين تضامنوا مع جبهة الإنقاذ و التمرد علر "محمد مرسي"  ثم دعم الانقلاب العسكري الدامي في الثالث من يوليو في عام 2013.
و هم في أفعالهم السالفة جمعوا بين الكثير من الفرق الأخرى ، بل و جمعوا بين المتناقضات نفسها. فحين قالوا "الديمقراطية كفر مطلقا" قبل الثورة ، لم تكن كذلك بعدها . و حين قالوا "المشروع الإسلامي و الشريعة الإسلامية" ، دعموا "أبو الفتوح" في انتخابات الرئاسة مع علمهم باتجاهه اللبرالي ، بل لم يسلم "أبو إسماعيل من هجومهم و رميه بالنقائص. ثم في أثناء حكم مرسي تقمصوا دور المعارضة فاتهموه بالأخونة و التقصير في تطبيق الشريعة و خصوصا "الضباط الملتحين" ، و في أزمة النائب العام اتخذوا الجانب الآخر فتضامنوا مع جبهة الإنقاذ ، حتى كان التمرد على الرئيس فادعوا الحياد الذي لم يلتزموه في الثورة على "مبارك" و لم يحرموا الخروج على مرسي. ثم كان ظهور أحد أعضاء الهيئة العليا للحزب في خطاب "الانقلاب" طامة كبرى و دليلا على عدم حيادهم ، بدعوى الحفاظ على مجلس الشورى الذي حل بعدها ، و الحفاظ على الشريعة في الدستور و قد أقصوا من تشكيل لجنة"الخمسين" ؛ بل لم نسمع لهم صوتا في معارضة حكومة الانقلاب اللهم إلا تصريحات خافتة لذر الرماد في العيون.

كانت هذه المواقف سببا في مراجعة كثير من أبناء التيار السلفي لموقفهم ، و آخرون أعادوا التفكير في هوية "البرهاميين" ، فمن الناس من رماهم مباشرة بالعمالة لأمن الدولة ، و أن تأسيس حزب لهم هو خطة معدة مسبقا من أول الثورة ، و آخرون اتهموهم بالخيانة لأجل الحفاظ على مكانتهم عند مريديهم ، و آخرون اكتفوا بتخطيئهم و لكن افترضوا فيهم السذاجة ، و أما التلاميذ المخلصون فيرونهم مازالوا على الحق و أنهم الفرقة الناجية.
أيا كانت الدوافع فالعواقب واحدة ، فقد شهدت مصر حملة شعواء ليست على الإخوان وحدهم ، بل على التيار الإسلامي بأكمله و خصوصا أصحاب السمت منهم كالملتحين و المنتقبات ، و حملة واسعة من الاعتقالات ، بالإضافة إلى التصفية الجسدية ، و شهد التيار الإسلامي حملة تضييق لم يشهدها منذ العهد الناصري ؛ كل ذلك وسط صمت من العالم كله و بخاصة التيارات المدعية للحرية و الديمقراطية ، و من حزب النور نفسه فلم يعد يتكلم عن "العسكرة" أو "الضباط الملتحين" أو حتى في الاعتقال الجماعي لمجرد السمت.

و لا يزال التاريخ يكتب ...